عبد الله الأنصاري الهروي

406

منازل السائرين ( شرح القاساني )

ويجوز أن يراد : « ولا تردّ على عدوّك حقّا بقوله ، وإن كان طعنا فيك » هذا للعدوّ ، فكيف إذا كان صديقك ؟ وكيف إذا كان حقّا له عليك ؟ « وتقبل من المعتذر معاذيره » يعني من أساء إليك واعتذر فعليك أن تقبل معاذيره ، صادقا كان فيها أو كاذبا ؛ فإنّ من المكارم قبول المعذرة كيف كانت . وفي بعض النسخ : « وإن كان كاذبا فيها » . وإذا أمرنا الحقّ تعالى بالإحسان في مقابلة الإساءة - حيث قال : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [ 23 / 96 ] - مطلقا ، فبالحريّ أن نقبل عذر المعتذر - وإن لم يكن صادقا - ونعفو عنه أو نحسن إليه . وما في هذه الدرجة أيضا التواضع للحقّ الذي هو ضدّ الباطل صريحا . - [ م ] والدرجة الثالثة : أن تتّضع للحقّ ، فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ، ورؤية حقّك في الصحبة ، وعن رسمك في المشاهدة . [ ش ] الظاهر أنّ المراد ب « الحقّ » ها هنا « 1 » هو « اللّه تعالى » ، وهو أيضا ضدّ الباطل ، فإنّ الحقّ تعالى هو الواجب الثابت ، وما سواه هو الباطل الزائل الفاني ؛ كما قال لبيد « 2 » « أ » : « ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » فحمل « الحقّ » - في أوّل الباب - على الذي يقابل الباطل أولى . والاتّضاع للحقّ هو أن تنزل « 3 » في الخدمة والعبادة عن رأيك ، وتعبده

--> ( 1 ) ب ، ه ، ج : هنا . ( 2 ) د : + شعر . ( 3 ) ع : أن تترك . ( أ ) تمام البيت : « وكلّ نعيم لا محالة زائل » . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « أصدق كلمة قالها الشاعر » . راجع البخاري : باب أيّام الجاهلية : 5 / 53 . ومسلم : 4 / 1768 ، كتاب الشعر ، ح 2 - 6 .